محمد محمد أبو موسى
266
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ومن هذا تعليل القرآن عقاب الكافرين بما هو أعم من السبب الحقيقي لهذا العقاب ، فالذين استكبروا عن آيات اللّه لا يدخلون الجنة لعنادهم ، والقرآن لا يعلل حرمانهم من الجنة بهذه العلة الحقيقية وانما يقول : « إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ » « 19 » ، فيعلل هذا الخلود في النار بالاجرام ، والاجرام عام يشمل التكذيب والاستكبار وغير ذلك من الذنوب ، والزمخشري يفصح عن سر العدول إلى لفظ الاجرام وكيف يلوح لهم بهذا اللفظ فقد قال : « نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ » ليؤذن أن الاجرام هو السبب الموصل إلى العقاب وأن كل من أجرم عوقب وقد كرره فقال : « وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ » « 20 » لأن كل مجرم ظالم لنفسه » « 21 » . ويقول في قوله تعالى : « فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ » « 22 » : « والمراد بكذبهم قولهم : « آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ » وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته ، وتخييل أن العذاب الأليم لا حق بهم من أجل كذبهم ، ونحوه قوله تعالى : « مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً » والقوم كفرة وانما خصت الخطيئات استعظاما لها وتنفيرا عن ارتكابها » « 23 » . ويوضح هذا المعنى في آية نوح ويقول : « وكفى به مزجرة لمرتكب الخطايا فان كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم ، وان كانت كبراهن وقد نعيت عليهم سائر خطيئاتهم كما نعى عليهم كفرهم ولم يفرق بينه وبينهن في استيجاب العذاب لئلا يتكل المسلم الخاطئ على اسلامه ويعلم أن معه ما يستوجب به العذاب وان خلا من الخطيئة الكبرى » « 24 » .
--> ( 19 ) الأعراف : 40 ( 20 ) الأعراف : 41 ( 21 ) الكشاف ج 2 ص 82 ( 22 ) البقرة : 10 ( 23 ) الكشاف ج 1 ص 46 ، 47 - والآية من سورة نوح : 2 ( 24 ) الكشاف ج 4 ص 496